أبي حيان التوحيدي
11
المقابسات
كثير التحصيل للعلوم في كل فن ، حفظة ، واسع الدراية والرواية . وقال ابن النجار : كان صحيح العقيدة . وقد كان تفوقه في العلوم ، وتبحره في المعارف ، وانتهاجه مناهج الجاحظ ، وذهابه مذاهبه في مزج العلوم بالآداب وعرضها في الأساليب البليغة ، وتقريبها من الأذهان ، في أعلى طبقات البيان ، كل ذلك كان سببا في تقربه من الأمراء والوزراء ، ومن في طبقتهم من الكتاب والرؤساء . ومن أجل هذا دعاه الأستاذ الرئيس أبو الفضل بن العميد « 1 » إليه بالري وصحبه زمنا . وذلك أن ابن العميد كان من المولعين بالجاحظ « 2 » ولعا شديدا ، والمقدرين له تقديرا صحيحا ، حتى أنه كان إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد ، فإن فطن لخواصها ، وتنبه إلى محاسنها ، جعل ذلك مقدمة لفضله ، وعنوانا على عقله . ثم سأله عن الجاحظ ، فان وجد اثرا لمطالعة كتبه ، والاقتباس من نوره ، والاغتراف من بحره ، وبعض القيام بمسائله ، قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم والآداب ، وإن وجده ذاما لبغداد ، غفلا عما يجب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ ، لم ينفعه بعد ذلك شئ من المحاسن . وإذا فلا جرم أن أبا حيان قد حاز قصب السبق لدى ابن العميد في جاحظيته . وقد تنازع الناس في وصف الجاحظية بين ابن العميد وأبى حيان ،
--> ( 1 ) هو الأستاذ الرئيس أبو الفضل محمد بن العميد كان وزيرا لركن الدولة ابن بويه ، وكان من الفضل والأدب ، ومن الوقوف على العلوم والفلسفة والنجوم ، على جانب عظيم ، وكان يذهب مذهب الاعتزال وهو من أشهر كتاب العربية وبلغائها ، وكان سمحا جواد ذا فضائل وفواضل . توفى سنة 360 ه . ( 2 ) وضعنا كتابا عن الجاحظ باسم « الجاحظ وآثاره ، وشيوخ المعتزلة ومذاهبهم » وهو قيد الطبع